ابن عربي
79
كتاب الحجب
ومن ذلك : حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ « 1 » وأما الوقايات والجنن : فمنها الحجب التي تقي الأجسام الحيوانية من البرد القوي والحر الشديد ، فيدفع بذلك الألم عن نفسه ، وكذلك الطوارق يدفع بها في الحرب المقاتل عن نفسه سهام الأعداء ورماحهم وسيوفهم فيتقي هذا وأمثاله بمجنه الحائل بينه وبين عدوه ، ويدفع بذلك عن نفسه الأذى من خوذة ، وترس ، ودرع . وقد تكون حجب معنوية يدفع بها الأذى الشخص عمن يتكرم عليه ، مثل : شخص يصدر منه في حق شخص آخر ما يكرهه ذلك الشخص لكونه لا يلائم طبعه ولا يوافق غرضه فيلحق به الذم لما جرى منه في حقه فيقوم شخص يجعل نفسه له وقاية حتى يتلقى هو في نفسه سهام ذلك الذم فيقرر في نفس الذام أنه السبب الموجب لذلك ، وأن ذلك الأذى كان كله من جهته حتى يتحقق ذلك الذام هذا الأمر أنه كان من جهة هذا الشخص بأي وجه أمكنه التوصل إليه فيعلق الذم به ويكون حائلا بينه وبين الشخص الذي كان منه الأذى لذلك الذم . فوقى عرضه بنفسه كما نلحق نحن من الأفعال ما قبح منها مما لا يوافق الأغراض ولا يلائم الطبع إلينا مع علمنا أن الكل من عند اللّه . ولكن لما تعلق به لسان الذم فدينا ما يناسب إلى الحق من ذلك بنفوسنا أدبا مع اللّه ، وما كان من خير وحسن رفعنا نفوسنا من الطريق وأضفنا ذلك إلى اللّه حتى يكون هو المحمود أدبا مع اللّه وحقيقة فإنه للّه بلا شك مع ما فيه من رائحة الاشتراك بالخبر الإلهي في قوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ « 2 » وقوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ « 3 » وقال : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ « 4 » فأضاف العمل وقتا إلينا ووقتا إليه ، فلهذا قلنا فيه رائحة اشتراك ، قال تعالى : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ « 5 » فأضاف الكل إلينا وقال : فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها « 6 » فله
--> ( 1 ) الآية رقم ( 72 ) من سورة الرحمن ( 2 ) الآية رقم ( 96 ) من سورة الصافات ( 3 ) الآية رقم ( 79 ) من سورة النساء ( 4 ) الآية رقم ( 77 ) من سورة النساء ( 5 ) الآية رقم ( 286 ) من سورة البقرة ( 6 ) الآية رقم ( 8 ) من سورة الشمس